محمد عبد الكريم عتوم

266

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

الأفراد والجماعات ، بل تقتضي صياغة منظومة سياسية قانونية لجميع المواطنين على قاعدة الاعتراف بتلك الخصوصيات . فالمواطنون العرب الشيعة بعدة دول عربية وإسلامية مثلًا لم يتمتعوا بعد بحقوق المواطنة الكاملة ، لا بل يتعرضون للتمييز والحرمان في كثير منها ، مثلما هو عليه وضع المواطنين السنة في دول أخرى ، ولن يستقيم حال دولنا ومجتمعاتنا ، من دون أن يُعلى من شأن المواطنة كمصدر وحيد للحقوق والواجبات وكلبنة أساسية للنظام السياسي ، بغض النظر عن المذهب والطائفة والعرق واللون والجنس والدين . إن التعدد المذهبي والديني والعرقي واللغوي ، ليس حالة مضادة للمواطنة ، بل هو الجذر الثقافي والاجتماعي لبناء مواطنة حقيقية ، بعيداً عن التعصب ، ذلك أن التجارب الديمقراطية الكبرى في التاريخ الإسلامي رغم قلتها - لم تزدهر بإلغاء الخصوصيات والتعدديات الموجودة في المجتمع ، بل بخلق المناخ الذي يأخذ بعين الاعتبار حاجات التنوع ومتطلبات التعدد ، وهو ما يتجسد في القرآن الكريم من خلال التركيز على مفهوم " التعارف " الذي يختزن كل أبعاد التواصل باعتباره قيمة وغاية إنسانية . ولا بد من الإشارة إلى العلاقة العضوية بين مفهوم المواطنة ، وبين مفهوم العدالة السياسية في السلطة والمجتمع ، فالمواطنة تأخذ أبعادها الحقيقية في الفضاء الاجتماعي حينما تتحقق العدالة السياسية حيث تتعمق المواطنة في نفوس وعقول أبناء المجتمع ، أما إذا غابت العدالة السياسية وساد الاستبداد السياسي ، فإن مقولة المواطنة تصبح في جوهرها تمويهاً لهذا الواقع وخداعاً لأبناء الوطن والمجتمع . فالمقياس الحقيقي لمستوى تحقيق المواطنة ، وتجذرها هو مقدار وجود متطلبات العدالة السياسية في الواقع الاجتماعي والسياسي . فالعدالة هي روح الإسلام وجوهره ، ومضمون قيمه ومبادئه ، وهي الغاية التي سعى الأنبياء عبر التاريخ إلى إرساء معالمها وحقائقها في المجتمع الإنساني يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ « 1 » .

--> ( 1 ) - الحجرات ، آية 13